السيد هاشم البحراني
650
البرهان في تفسير القرآن
موضع كذا وكذا ، وهي تنزل غدا ها هنا ، وأنا أعمل لهم ، وأقضيك . فرجعا إلى رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، فأخبراه بما سمعا ، فأقبل أبو سفيان بالعير ، فلما شارف بدرا تقدم العير ، وأقبل وحده حتى انتهى إلى ماء بدر ، وكان بها رجل من جهينة ، يقال له مجدي الجهني ، فقال له : مجدي ، هل لك علم بمحمد وأصحابه ؟ قال : لا ، قال : واللات والعزى ، لئن كتمتنا أمر محمد لا تزال قريش لك معادية إلى آخر الدهر ، فإنه ليس أحد من قريش إلا وله شيء في هذه العير نش فصاعدا ، فلا تكتمني . فقال : والله ما لي علم بمحمد ، وما بال محمد وأصحابه بالتجار ، إلا أني رأيت في هذا اليوم راكبين أقبلا واستعذبا من الماء ، وأناخا راحلتيهما في هذا المكان ورجعا ، فلا أدري من هما . فجاء أبو سفيان إلى موضع مناخ إبلهما ففت أبعار الإبل بيده ، فوجد فيها النوى ، فقال : هذه علائف يثرب ، هؤلاء والله عيون محمد . فرجع مسرعا ، وأمر بالعير فأخذ بها نحو ساحل البحر ، وتركوا الطريق ومروا مسرعين . ونزل جبرئيل على رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) فأخبره أن العير قد أفلتت ، وأن قريشا قد أقبلت لتمنع عن عيرها ، وأمره بالقتال ، ووعده النصر ، وكان نازلا بالصفراء « 1 » ، فأحب أن يبلوا الأنصار لأنهم إنما وعدوه أن ينصروه في الدار ، فأخبرهم أن العير قد جازت ، وأن قريشا قد أقبلت لتمنع عيرها ، وأن الله قد أمرني بمحاربتهم . فجزع أصحاب رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) من ذلك ، وخافوا خوفا شديدا ، فقال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : « أشيروا علي » . فقام أبو بكر فقال : يا رسول الله ، إنها قريش وخيلاؤها ، ما آمنت منذ كفرت ، ولا ذلت منذ عزت ، ولم تخرج على هيئة الحرب . فقال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : « اجلس » . فجلس ، فقال : « أشيروا علي » . فقام عمر « 2 » ، فقال مثل مقالة أبي بكر « 3 » . فقال ( صلى الله عليه وآله ) : « اجلس » . فجلس . ثم قام المقداد ( رحمه الله ) ، فقال : يا رسول الله ، إنها قريش وخيلاؤها ، وقد آمنا بك وصدقناك ، وشهدنا أن ما جئت حق من عند الله ! والله لو أمرتنا أن نخوض جمر الغضا أو شوك الهراس « 4 » لخضنا معك ، ولا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى : فَاذْهَبْ أَنْتَ ورَبُّكَ فَقاتِلا إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ ) * « 5 » ولكنا نقول : اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون . فجزاه النبي ( صلى الله عليه وآله ) خيرا ، ثم جلس . ثم قال : « أشيروا علي » . فقام سعد بن معاذ ، فقال : بأبي أنت وأمي - يا رسول الله - كأنك قد أردتنا ؟ فقال : « نعم » . قال : فلعلك خرجت على أمر قد أمرت بغيره ؟ قال : « نعم » . قال : بأبي أنت وأمي ، يا رسول الله ، إنا قد آمنا بك وصدقناك ، وشهدنا أن ما جئت به حق من عند الله ، فمرنا بما شئت ، وخذ من أموالنا ما شئت ، واترك منها ما شئت ، والذي أخذت منه أحب إلي من الذي تركت ، والله لو أمرتنا أن نخوض هذا البحر لخضناه معك . فجزاه خيرا ، ثم قال سعد : بأبي أنت وأمي ، يا رسول الله ، والله ما أخذت هذا الطريق قط ، ومالي به علم ، وقد خلفنا
--> ( 1 ) الصفراء : واد من ناحية المدينة ، كثير النخل والزرع ، بينه وبين بدر مرحلة . « معجم البلدان 3 : 412 » . ( 2 ) في المصدر : الثاني . ( 3 ) في المصدر : الأوّل . ( 4 ) الهراس : شوك كأنّه حسك « لسان العرب - هرس - 60 : 247 » . ( 5 ) المائدة 5 : 24 .